فقه مراتب الأعمال

اذهب الى الأسفل

فقه مراتب الأعمال

مُساهمة من طرف اوتار الامل في الإثنين ديسمبر 20, 2010 3:55 pm





فقه مراتب الأعمال




الفقه استنباط للمعاني:

اتفقت نصوص الكتاب والسنة على أهـمـية الفقه بالنسبة للمسلم، وحثت على طلبه وإعلاء شأنه، ففي الصحيحين عن معاوية أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)(1)،



والفـقـــه:

الـفـهــم؛ فهم معاني الكلام ومراميه وإنزاله منازله.



وثـبــت فـي نصوص أخرى أن الفقه ليس هو حفظ النصوص واستعراضها، وإدراك ظواهـر ألفاظها، فـعـــن أبي مـوســـى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والـعـلم كمثل الغيث الكثير أصاب أَرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكـثـيـــر، وكـــانـت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، شربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائـفــة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُه في دين الله ونـفـعــه الله به فَعلم وعَلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هـدى اللـه الــذي أرسلت به)(2).

فالـمـسـتجيبون لما بعث الله به رسوله صنفان:

الأول: تلقى الهدى والعلم فأنبت منه (الكلأ والـعـشـب الـكـثـيـــر) علماً وفقهاً كثيراً نفع الله به،

أما الثاني: نقل الهدى والعلم كما تلقاه، فهو( بمثابة الأرض التي يستقر فيها الماء فينفع به الناس).. فالأول فقيه و الثاني حافظ، ولكلٍ مكانته.

وعلى هذا ندرك أن حمل النصوص وحفظها لا يصنف وحده الإنسان في دائرة الفقهاء، بل هو في حاجة إلى شروط زائدة: فطرية ومكتسبة.

ولذلك لم يكن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كلهم في مستوى واحد من الفقه أو الحفظ، بل كان منهم فقهاء عرفوا بعمق الاستـنـباط ودقة الفهم ، من أمثال الخلفاء الراشدين وعبد الله بـن عـبــاس، وكان منهم قراء حفظوا القرآن وأتقنوا حروفه، من أمثال زيد بن ثابت، وكان منهم محدثون انصرفت همتهم إلى حفظ الحديث وإتقانه مثل أبي هريرة.

وهناك من اشتهر في الفقه والحفظ كليهما مثل عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنهم جميعاً).

وعندما دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه في الدين)(3) لم يكن المقصود أن يكثر حفظه للنصوص أو أن يدرك ظواهر ألفاظها فقط، بل المقصود من الدعاء: أن يبارك في فهمه واستنباطه، حتى يستخرج من النصوص كنوزها، ويدرك من الكلام معانيه ومراميه؛ لذلك كانت أرضه من أطيب الأراضي وأخصبها، قبلت الهدى والعلم النبويين، فأنبتت من كل زوج كريم.

وهكذا فإن على شباب الصحوة الإسلامية أن يدركوا أن مجرد قراءة النصوص وحفظها ليس فقهاً، بل الفقه شيء زائد عن مجرد الألفاظ، وهذا أمر ورد واضحاً في قوله (تعالى): ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء: 82]: قال ابن كثير في تفسير الآية: (يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقه الاستنباط، إذ إن موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه و أفشاه، وحمد من استنبط، من أولي العلم حقيقته ومعناه).

لذلك فإن معرفة فنون العلم والفقه الواردين في الشرع،هو العاصم من الخروج عن مراد الشرع نظراً وعملا، وهو الهادي ولخيري الدنيا والآخرة.



المقصود بفقه مراتب الأعمال:



وهو: العلم بفاضل الأعمال ومفضولها، وأرجحها ومرجوحها، فإن كانت الأعمال طاعة علم أيّها أحب إلى الله وأكثرها أجراً وثواباً، وإن كانت معصية علم أيّها أبغض إلى الله وأكثرها وزراً وعقوبة، وإن كانت الأعمال وسيلة إلى أهداف معينة (المقاصد الشرعية مثلاً) علم أيّها أقدر على تحقيق هذه الأهداف، وأيّها أولى بذلك، وإن كان الإنسان أمام بدائل متعددة من خير أو شر، علم خير الخيرين وشر الشرين، وإذا جهل المسلم أي الأعمال أفضل وأولى لاشك أن ينفق وقته وجهده وماله في أجر أقل ويفوت ماهو أجل وأعظم.





القرآن الكريم ومراتب الأعمال:



وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله (عز وجل) تبين أن الأعمال ليست كلها في درجة واحدة، بل تختلف درجاتها في الخير، كما تختلف دركاتها في الشر.

ومن ذلك أيضا قوله (تعالى): ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [التوبة: 19] ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة، وبينت أنهما لا يستويان عند الله (تعالى).

كما بين القرآن الكريم في آيات أخرى: أن المحرمات منها الكبائر والصغائر، فقال (تعالى): ((إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً)) [النساء: 31]، وقال سبحانه مادحاً عباده المحسنين: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ)) [النجم: 32]. فدلت الآيتان على أن المنهيات قسمان: كبائر، وأخرى دونها سميت في الآية الأولى سيئات، وفي الثانية لمَماً. قال ابن كثير (لأن اللمَمَ من صغائـر الذنـوب ومحقرات الأعمال).



السنة النبوية ومراتب الأعمال:



والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة

وقد بينت أحاديـث عديدة كـون الذنـوب أنواعاً ومراتب، فعن أبي بكـرة عن أبيـه قال: قال رسول الله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله. قال ـ ثلاثاً ـ: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) وكان متكئاً فجلس فقال: (ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور)(4).



أصول الفقه يضع القواعد:



وانطلاقاً مما مر، فقد اتفقت الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كلف بها المسلم أنواع ومراتب، وليست على ميزان واحد، كما اتفق جمهور العلماء على انقسام مأمورات الشرع إلى واجبات ومستحبات، وانقسام منهياته إلى مكروهات ومحرمات. يقول مجد الدين ابن تيمية في المسودة: (اتفق الفقهاء والمتكلمون على أن أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم ومكروه ومباح)(5).

فقد بين العلماء ـ والأصوليون منهم بالخصوص ـ تعريف كل نوع من الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة، كما قـرروا أنه ـ لذلك ـ لا يجوز أن يُسوّى بين الواجب والمندوب (6)، و لا يسوى بين الحرام والمكروه(7)، ولا بين المباح وبين المندوب والمكروه(8)، يقول الشاطبي: (الواجبات لا تستقر واجبات إلا إذا لم يُسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام، فلا تُترك ولا يُسامح في تركها البتة، كما أن المحرمات لا تستقر كذلك إلا إذا لم يسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام فلا تفعل، و لا يسامح في فعلها)(6).

إذاً لا يكفي المسلم أن يعلم ما أَمَر به الشرع أو ما نهى عنه، بل عليه أن يعلم أيضا درجة الأمر أو النهي، وأن ينزل كل ذلك مرتبته دون إفراط و لا تفريط.





فقه مراتب الأعمال خاصةُ العلماء بهذا الدين:

وقد وصف الإمام ابن تيمية فقه مراتب الأعمال بأنه حقيقة الدين، وحقيقة العمل بما جاءت به الرسل، وبأنه خاصة العلماء بهذا الدين. يقول: (فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً. فأما مراتب المنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه، وتنكر أنكر المنكرين: وترجـح أقوى الدليلـين، فإنـه هـو خاصـة العلمـاء بهذا الدين)(9).

أما تلميذه ابن القيم فقد اعتبر انشغال الإنسان بالأعمال المفضولة عن الفاضلة من عقبات الشيطان التي لا يتجاوزها المسلم إلا بفقه في الأعمال ومراتبها، إن الشيطان في هذه العقبة يأمر الإنسان ويُحَسّن له الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، ويريه ما فيها من الفضل والربح؛ ليشغله بها عما هو أفضل وأعظم كسبا وربحاً، (لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له).





غياب حس الأولويات:

لقد كان لعدم الاهتمام بتعليم المسلم هذا الفقه الجليل آثار قد تكون بعيدة المدى وشديدة الضرر دنيا، وأخرى. ومن تلك النتائج:



1- ضياع الأجر: فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بالعمل قليل الأجر على حساب كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة وتروي لنا السنة من ذلك أمثلة كثيرة فعن أنس قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام وقـام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الرّكَاب، فقال رسول الله (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)(10).



2- سوء فهم الشريعة: إن الجهل بمراتب الأعمال عندما يكون عاماً، يؤدي إلى فوضى فكرية عارمة، تشوه الشريعة وتخل بتوازنها، لقد أرسى الشرع بين المأمورات والمنهيات توازنا لا يجوز الإخلال به، تماما كَنِسَب الدواء الواحد، قد يؤدي تغييرها إلى إفساده وإلغاء خصائصه، إن لم ينقلب إلى سم قاتل، ومن ذلك أن المسلم اليوم مثلا قد أضحى عنده ترتيب جديد لأوامر الشرع، يجعل الشعائر التعبدية (فرائض ومستحبات) أعلى مرتبة من سائر الواجبات والفرائض الأخرى، و أوكد من ترك منهيـات الشـرع (محرمات ومكروهات).



3- غياب حس الأولويات في الدعوة: فسوء فهم الشريعة واختلاط مراتب أحكامها يؤدي إلى عجز الدعاة عن البدء بما يجب البدء به. فإذا كان في أحكام الدين واجب ومستحب، وفـاضــل و مفضول، فإن الدعوة إلى الواجب والفاضل مقدم على الدعوة إلى ما دونها، لكننا نرى مـن بـيـن شباب الصحوة الإسلامية ودعاتها من ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية، وتـُـبـدد الجـهــــــود والطاقات فيها، والأولى البدء بالدعوة إلى أصول العقيدة والشريعة، وبذل الجهد في معـالـجــة القضايا المصيرية الكبرى للأمة. وقد صاغ الأصوليون ذلك في قواعد تشريعية هادية مثل: دفع أشد المفسدتين بأخفهما، وعدم ترك الـمـصـلـحـة الـغـالـبـة خشية المفسدة النادرة..



ولا يستقيم عمل دعـوي إلا بفقه هذه الأصول والقواعد والالتزام بها، فعسى أن يوفق أبنـاء الصحوة الإسلامية وشبابها إلى ذلك..



اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطل و ارزقنا اجتنابه ...



الهوامش:



(1) البخاري ـ كتاب العلم ـ باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومسلم ـ كتاب الزكاة ـ باب النهي عن المسألة.

(2) البخاري ـ كتاب العلم ـ باب فضل من علم وعلم، ومسلم ـ كتاب الفضائل ـ باب بيان مثل ما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- من الهدى والعلم.

(3) البخاري ـ كتاب الوضوء ـ باب وضع الماء عند الخلاء، وهو في مسند أحمد باللفظ نفسه. وروي في االصحيحين وفي السنن بألفاظ مختلفة، انظر: فتح الباري (1/204، 205).

(4) البخاري ـ كتاب الأدب ـ باب عقوق الوالدين من الكبائر، وأخرجه أيضا مسلم وأحمد والترمذي.

(5) المسودة في أصول الفقه (ص: 65)، وانظر باب الحكم الشرعي في كتب أصول الفقه.

(6) الموافقات (3/321) و (3/336).

(7) نفسه (3/331).

( 8 ) نفسه (3/326)

(9) اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 28).

(10) البخاري ـ كتاب الجهاد ـ باب فضل الخدمة في الغزو ومسلم ـ كتاب الصيام ـ باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، والنسائي ـ كتاب الصيام فضل الإفطار في الصيام، واللفظ هنا لمسلم، الرّكاب: الرواحل وهـي الإبـل التي يسار عليها (البيان).





ملخص لمقاله لدكتور //سعد لدين العثماني .... مجلة البيان

اوتار الامل

عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 07/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فقه مراتب الأعمال

مُساهمة من طرف حافظة القران في الإثنين ديسمبر 27, 2010 10:16 am

السلام عليكم ورحمة الله ؛الاخت الكريمة أوتار الأمل جزاك الله خير إختيار موفق بإذن الله ونقل رائع موضوع جداً مهم نرجوا أن تعم الفائدة من قراءته
ونتطلع من القراء المشاركة بإبداء الرأى والمناقشة الهادفة المثمرة ،دمت بخير
avatar
حافظة القران
حافظة القران
حافظة القران

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 07/02/2010
الموقع : معهد الامام الحافظ الذهبي

http://althahabi.montadamoslim.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فقه مراتب الأعمال

مُساهمة من طرف ضوء القمر14 في السبت أبريل 02, 2011 11:16 am


ضوء القمر14

عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 29/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى