مسألتي المجاز والإعجاز

اذهب الى الأسفل

مسألتي المجاز والإعجاز

مُساهمة من طرف كن داعيا في السبت أبريل 23, 2011 5:18 pm


مسألة التأويل والمجاز من شرح الطحاوية
لممعالي الشيخ صالح عبد العزيز آل الشيخ
(مختصر)
المسألة الأولى: في معنى التأويل، التأويل هو ما تؤول إليه الأشياء، آل الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إِيَالُ الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة كلمة تأويل هذه اسم مصدر آل الشيءُ، يؤول، إيالا، وتأويلا، فإياله؛ نهايته تسمى تأويله.
المسألة الثانية: التأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- التأويل بمعنى التفسير: تأويل كذا يعني تفسيرَه، ?هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي?[يوسف:100] يعني هذا تفسير ?رُؤْيَاي?

2 - تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي: تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر؛ يعني أنه إذا ذُكر شيء لك فأُخبرت به فتأويله حينما تراه، كما قال جل وعلا ?هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ? يعني تأويل ما ذكر الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار ? هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ?[الأعراف:53] إلى آخر الآية، قوله ?هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ? يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس،
المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أُخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة
3- التأويل بمعنىً حادث لم يأتِ في القرآن وفي السنة، أما الأولان فقد جاءا، لكنه صحيح إذا كان صحيح بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم، وهو أنْ يُصرف دليل عن ظاهره لحجة، ويعبر عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة. وهذا للأصوليين فيه تفصيلات ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الرب جل وعلا.
المسألة الثالثة: هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلَّط...... وأوَّلوها بالتأويلات، فنصوص الرؤية حرفوها وسموا تحريفهم تأويلا، ونصوص إثبات الصفات كالوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حرَّفوها وسموا تحريفهم لها تأويلا!
القرينة لابد أن تدل على أنَّ الظاهر غير مراد حتى يُمكن أن يُصرف اللفظ عن ظاهره؛ لأنّ الظاهر هو الأصل، فإذا أردنا أن نؤول الظاهر لابد من قرينة، هذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد، فأتوا بهذه القرينة وسلّطوها على نصوص الصفات، فقالوا -هنا الأمور الغيبية هذه مثلا خذ الرؤية-: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب جل وعلا-، يعني أنه يكون متحيّزا حتى يمكن أن الناس يروه، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أن الناس يروه، لابد أن يكون بمقابلة العينين حتى أن العينين تراه، وهكذا، فلما كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أنّ الله جل وعلا لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا: إذن الرؤية تُؤَوَّل لأن معناها الظاهر غير مراد قطعا؛ لأن فيه تمثيلا وتشبيها لله بخلقه.
وهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تطبّق هذه القاعدة على كل ما أُوِّلَ من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواء كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.
ونناقش هؤلاء – وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي - ؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها- هؤلاء جاءوا بشيء سمَّوه قرينة فحكّموه على النص، فسمَّوا هذا الذي فعلوه تأويلا، ونحن بقاعدة الأصوليين -بتعريف الأصوليين- نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئا سميتموه تأويلا؟
القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة.
فنقول هنا: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، أنْ يُصرف عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صُرف عنه لابد أن يكون معلوما، معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنه لا يصلح حتى يمكن أن نصرفه، وهذا في التقعيد واضح.
إذن فعندنا في النص ثلاثة أشياء:
* عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة.
* وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة.
* وعندنا ثالثا الكيفية.
فإذن ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجوب، صفة الرحمة ?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ? هذا فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة؟ ليس واضحا في النص، إذن النصوص فيها أصل إثبات الصفة.
فإذن صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هم صرفوا، لم يصرفوا الظاهرَ، وإنما صرفوا شيئا توهموه زيادة على الظاهر، فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له، فهم توهموا للظاهر شيئا زائدا على دلالة النص توهموا تمام معنى وتوهموا كيفية.
فإذن قاعدة التأويل في الحقيقة لم تطبقوها وإنما طبَّقتم ما في أذهانكم.
الأمر الثاني نقول لهم: إذا لم تسلموا بذلك، وقلتم: إن تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا، فنقول يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله جل وعلا وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟
فالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك.

المـــــــــــجاز
المسألة الرابعة: مثل التأويل في تطليقه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز، والتأويل والمجاز يُستخدمان في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يسلِّموا للنصوص دلالتها.
(المجاز) لم يأتِ هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين؛ يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يُستعمل هذا اللفظ فلفظه حادث، والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح إن كان هذا المصطلح أُستخدم في شيء سليم، في شيء مقبول شرعا، فلا بأس به إذ لا مُشاحة في الاصطلاح، مثل ما قال التأويل هو كذا وكذا فعرفوه، ومثل ما تعارفوا على أشياء كثيرة في العلوم، ولهذا استعمل لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فكتب أبو عبيدة مَعمر بن مثنى كتابا سماه مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضا تجد ذكرا للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نظر في المجاز لا نعرض له الآن.
المجاز يعني: ما يجوز في اللغة.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) [المؤمنون:28]، قال: مجازه علا على العرش، وهذا يعني أنه معناه في اللغة؛ يعني ما تجيزه اللغة يعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى،
إذا نظرت لذلك وجدت أن استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المحرّفين.
لهذا نقول: المجاز عند أهل التّحريف عرفوه بما يلي:
قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ لعلاقة بينهما.
وعرفه آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له.
مثاله عندهم تقول: ألقى فلان علي جناحه. فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره. قالوا: أصل الجناح للطائر جناح الطائر، فلما استعمل في الإنسان صار استعمال للفظ لغير ما وضع له، لهذا سموه مجازا.
إذا تبين لك ذلك فنقول:
أولا قولهم في التعريف -في تعريف المجاز- المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. مبني على أنّ الألفاظ موضوعة لمعاني، ومن الذي وضع المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟ يقولون العرب وضعت.
التعريف الأول -وهو مشهور عند الأصوليين- المجاز نقْلُ اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني، يعني أن العرب وضعت للألفاظ شيئا ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.
هذا التصور مبني على خيال في أصله؛ وهو أنه يطالَب من عبَّر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وضع الوضع الأول؟ أولا في التعريف، لهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلا، يعني في الغيبيات أما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل، لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فناقشه في التعريف.
لهذا نقول: أولا التعريف غير صحيح؛ لأن الوضع الأول يحتاج في إثبات أنه وضعٌ أول إلى برهان، أثبت لي أن هذا هو الوضع الأول ولا بأس؛ لكن لا سبيل إلى الإثبات.
لهذا نقول: إن المعاني في اللغة العربية كثير منها كلية، وكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحذق وأفهم للغة، وهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة كتاب سماه معجم مقاييس اللغة، جَعَلَ كلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعا أول ثم وضعا ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك.
إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يستعملان كثيرا، الظاهر يقابله التأويل، والحقيقة يقابلها المجاز، فيقال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويقال هذا ظاهر وهذا تأويل، ولا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مرارا.
المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أن هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح.
يقولون مثلا: الرحمة مجاز عن الإنعام، طيب مجاز عن الإنعام يعني أن لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان، فلما أستعمل في صفات الرب جل وعلا نقوله من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ وهو الإنعام؛ لأن العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام، فإذن الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام؛ رحمه يعني أنعم عليه، قالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول، ففي صفات الرب جل وعلا لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟ قالوا لأن الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب جل جلاله.
فنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وَجد هذه الصفة في نفسه فسماها رحمة، لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود، كذلك الرأفة، كذلك الوُد، كذلك المحبة، ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدّد لها حتى في كتب اللغة.
إذن فهي ليست موضوعة لما يحسّه الإنسان، وهي إذن موضوعة لمعانٍ كلّية تشمل هذه الصفة، ولهذا نجد أنّ كل الصفات، الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها، لو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك، لا يحسن حتى هؤلاء الذين يحكمون بالمجاز والتأويل لا يحسنون أن يعرفوا الرحمة بشيء جامع مانع؛

إذن فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع، فإذن جعْل الكلية اللغوية مفردا في حال الإنسان، وجعْل هذه المفردة وضعا أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضا برهان وهو تحكُّم.
فمُؤدى الأمر أن هذه الكلمات مبنية على برهانين:
البرهان الأول: معرفة نشأة اللغات، وأن الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أن هذا غير جارٍ؛ لأنه ما يتصور -كما قلت لك أنه خيال أن العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-.
الأمر الثاني: أن يقال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لغوي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لابنها تمثيل، وهكذا.
فإذن القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يسلَّط عليه المجاز بالأمثلة.
هذه قضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه في هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات، كيف نشأت اللغات؟ كيف نشأت اللغة العربية؟ اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟ لا، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)[البقرة:31]، هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية؟ لا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية،

وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويُثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أنّ الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدّث أو في الحيوان إلى آخره.
خذ مثلا كلمة جناح، جناح في اللغة فيها دلالة على الميل، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مال وثم زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلا خفيفا لكن فيه استطالة، لهذا قال (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[الأنفال:61] (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)[الممتحنة:10]؛ يعني لا إثم عليكم لأن الإثم ميل واستطالة.
إذن تسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قسموا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سموه جناح، أو لمعنى كلي موجود قبل وجدوه في هذا الجزء من الطائر فسموه به، فعندهم الميل رأوا أن جناح الطائر فيه استطالة وميل يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن الجسم ثابت، جسم الطائر ثابت؛ لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسمّوا هذا الجناح بهذا الاسم، الإنسان فيه أيضا شيء يميل وهو اليد، اليد تميل، فإذن اليد أيضا جناح، فلذلك قول الله جل وعلا (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ) [الإسراء:24]، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازا وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال جل وعلا في قصة موسى عليه السلام (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ)[القصص:32]

وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ الجناح إيش هو؟ اليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي.






مسألة إعجاز القرآن من شرح الطحاوية
(مختصر)
الذين أبوا هداية القرآن وأبوا الإذعان له وصفوا القرآن بصفات:
* قال بعضهم: هو كِهانة.
* وقال بعضهم: هو شعر.
* وقال بعضهم: هو قول بشر.
* وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وكل هذه الأقوال يعلمون أنما هي لتنفير الناس عن قبول هذا القرآن فلقد تواعد كما هو معلوم في القصة ثلاثة من كفار قريش ألا يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
.............

فقال: إني سمعت كلاما ليس هو بالشعر، وليس هو بالكهانة، وليس هو بالكلام الذي نألف، إن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة -أو طَلاوة أو طِلاوة مثلّثة- وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه.
فتبين بذلك أن أولئك الذين قالوا هو كهانة هو شعر وهو قول البشر أنهم هم الذين ردّوا على أنفسهم (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل:14].
هذه المسألة متصلة ببحث عظيم، وهو بحث دلائل النبوة؛ لأنّ كون القرآن لا يشبه كلام البشر ولا يشبه قول البشر هو المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآن وأن القرآن معجز، وهذه ولاشك مسألة مهمة قلّ بل ندر أن تتعرض لها كتب العقائد،

المسألة الأولى: أنّ لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء في القرآن وفي السنة أنّ ما يُعطيه الله جل وعلا للأنبياء والرسل وما آتاه محمد عليه الصلاة والسلام هو آية وبرهان على نبوّته، فلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ حادث ولا بأس باستعماله إذا عُني به المعنى الصحيح الذي سيأتي.
الذي جاء في القرآن الآيات والبراهين؛ لكن العلماء استعملوا لفظ الإعجاز لسبب، وهو أنّ القرآن تحدى الله جل وعلا به العرب، تحدى الله جل وعلا العرب بأن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله أو أن يأتوا بسورة من مثله، فلما تحداهم فلم يغلبوا، ولم يأتوا بما تحداهم به، فدلّ ذلك على عجزهم، وذلك بسبب أنّ القرآن معجز لهم فلم يأتوا بمثله، قال جل وعلا (قُلْ لَئِن اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]

المسألة الثانية: أن كلام الله جل وعلا هو المعجز، وليس أنّ الله جل وعلا أعجز لأجل السّماع، أعجز لما أنزل القرآن.
والفرق بين المسألتين أن الإعجاز صفة القرآن، ولكن لا يُقال أن الله جل وعلا أعجز البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن؛ لأن هذا القول يتضمن؛ بل يدل على أنهم قادرون لكن الله جل وعلا سلبهم القدرة على هذه المعارضة.
فإذن الإعجاز والبرهان والآية والدليل في القرآن نفسه، لم؟ لأنه كلام الله جل وعلا، ولا يُقال إنّ الله جل وعلا أعجز الناس، أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو صَرَفهم عن ذلك، كما هي أقوال يأتي بيانُها.
المسألة الثالثة: أقوال الناس في إعجاز القرآن.
القول الأول: ذهب إليه طائفة من المعتزلة ومن غيرهم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلام، قالوا: إنّ القرآن الإعجاز فيه إنما هو بصرف البشر عن معارضته، وإلا فالعرب قادرة على معارضته في الأصل؛ لكنهم صُرفوا عن معارضته، فهذا الصرف هو قدرة الله جل وعلا، لا يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصرفهم جميعا عن معارضته، وهذا الصرف لابد أن يكون من قوة تملك هؤلاء جميعا وهي قوة الله جل وعلا.
فإذن الصَّرفة التي تسمع عنها -القول بالصرفة-؛ يعني أن الله صرف البشر عن معارضة هذا القرآن، وإلا فإن العرب قادرون على المعارضة.
وهذا القول هو القول المشهور الذي ينسب للنّظّام وجماعة بما هو معلوم.
وهذا القول يرده أشياء نقتصر منها على دليلين: الدليل الأول سمعي نقلي من القرآن، والدليل الثاني عقلي.
أما الدليل القرآني فهو قول الله جل وعلا ?قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا?[الإسراء:88]، فالله جل وعلا أثبت أنّ الإنس والجن لو اجتمعت على أن تأتي بمثل هذا القرآن وصار بعضهم لبعض معينا في الإتيان بمثل هذا القرآن أنهم لن يأتوا بمثله، وهذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأنّ اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء، فالله جل وعلا بيّن أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وكان بعضهم لبعض معينا وظهيرا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فأثبت لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزون عن قُدَرِهم التي ستجتمع وسيكون بعضهم لبعض معينا على المعارضة، وهذه الآية هي التي احتج بها المعتزلة على إعجاز القرآن، ففيها الدليل ضدهم على بطلان الصَّرفة.
أما الدليل الثاني وهو الدليل العقلي أن الأمة أجمعت من جميع الفرق والمذاهب أن الإعجاز يُنسب ويضاف إلى القرآن ولا يضاف إلى الله جل وعلا، فلا يقال إعجاز الله بالقرآن، وإنما يقال باتفاق الجميع وبلا خلاف هو إعجاز القرآن، فإضافة الإعجاز إلى القرآن تدل على أن القرآن معجز في نفسه، وليس الإعجاز من الله بصفة القدرة؛ لأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز الله بقدرته الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فيكون الإعجاز بأمر خارج عن القرآن، فلما أجمعت الأمة من جميع الفئات والمذاهب على أنّ الإعجاز وصف للقرآن علمنا بُطلان أن يكون الإعجاز صفة لقدرة الله جل وعلا؛ لأن من قال بالصَّرفة بأن الله سلبهم القدرة هذا راجع الإعجاز -يعني تعجيز أولئك- راجع إلى صفة القدرة وهذه صفة ربوبية.


القول الثاني: من قال القرآن معجز بألفاظه، فألفاظ القرآن بلغت المنتهى في الفصاحة؛ لأنّ البلاغيين يعرِّفون الفصاحة:
فصاحة المفرد في سلامته من نُفرة فيه ومن غرابته
فالقرآن مشتمل على أعلى الفصيح في اللفظ

وهذا ليس بجيد؛ لأن القرآن اسم للألفاظ والمعاني، والله جل وعلا تحدى أن يؤتى بمثل هذا القرآن، أو بمثل عشر سور مثله مفتريات -كما زعموا- وهذه المثلية إنما هي باللفظ وبالمعنى جميعا وبصورة الكلام المتركبة.
فإذن كونه معجزا بألفاظه نعم؛ لكن ليس وجه الإعجاز الألفاظ وحدها.


القول الثالث: من قال إنّ الإعجاز في المعاني وأما الألفاظ فهي على قارعة الطريق، مثل ما يقول الجاحظ وغيرُه؛ يعني فيما ساقه في كتاب الحيوان يقول: الشأن في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق. يعني أنّ الألفاظ يتداولها الناس؛ لكن الشأن في الدِّلالة بالألفاظ على المعاني، وهذا لاشك أنه قصور لأن القرآن معجز بألفاظه وبمعانيه وبصورته العامة كما سيأتي في وق من القوال الآتية.(48)


القول الرابع: من قال إن القرآن معجز في نظمه، ومعنى النظم هو الألفاظ المتركبة والمعاني التي دلّت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط؛ يعني أن الكلام يُحتاج فيه إلى أشياء، يحتاج فيه على ألفاظ وإلى معانٍ في داخل هذه الألفاظ يُعبَّر بها؛ يعبر بالألفاظ عن المعاني وإلى رابط يربط بين هذه الألفاظ والمعاني في صور بلاغية، وفي صور نحوية عالية، وهذا المجموع سماه أصحاب هذا القول النَّظم.
وهذا هو مدرسة الجُرجاني المعروفة -العلامة عبد القادر الجرجاني- فيما كتب في دلائل الإعجاز وفي أسرار البلاغة،

وهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.


القول الخامس: من قال في إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه، فالقرآن اشتمل على أمورٍ غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل، واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي عليه الصلاة والسلام، واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر، وهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأنّ القرآن محتمل على هذه الأشياء جميعا.
ولكن هذا القول يُشكل عليه أنّ إعجاز القرآن الذي تُحدِّيت به العرب، والعرب حينما خوطبوا به خوطبوا بكلام مشتمل على أشياء كثيرة، وكان التحدي واقعا أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة أو بعشر سور مثله مفتريات كما زعموا، وهذا يؤول إلى ما تميّزت به العرب، وهو مسألة البلاغة وما تميزوا به من رِفعة الكلام وفصاحته وبلاغته، والعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندهم معرفة بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقال إن الإعجاز وقع في هذه الجهة؛ لكنهم خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به -يعني من جهة الألفاظ والحروف-؛ لكنهم عجزوا عن الإتيان بذلك لأنه كلام الله جل وعلا.


القول الأخير والأقوال متنوعة؛ لأن المدارس كثيرة-: أن القرآن معجز لأنه كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق، وهذا القول هو الذي ذكره الطحاوي هنا قال (عَلِمْنَا وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ. وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ، وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ، [وَ]عَلِمَ أَنَّهُ بِصِفَاتِهِ -التي منها القرآن- لَيْسَ كَالْبَشَرِ.) وهذا القول الذي أشار إليه لم يتفرغ إليه الشارحون -شارحو هذه الرسالة سواء من السلفيين أو من المبتدعة من الماتريديين وغيرهم- في تقرير هذه المسألة، وهو من أرفع وأعظم الأقوال؛ بل هو القول الحق في هذه المسألة: أنّ كلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام البشر.
تنبيه: لا يوجد علاقة بين المجاز والإعجاز وإنما جمعت بينهما للدرس

انتهى باختصار

كن داعيا

عدد المساهمات : 69
تاريخ التسجيل : 09/04/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى